سميح دغيم
79
موسوعة مصطلحات الإمام فخر الدين الرازي
الممكنات ، فوجب القطع بانتهائها في سلسلة الحاجة إلى واجب الوجود لذاته . وهو المطلوب . ( مطل 9 ، 33 ، 20 ) - تقرير البرهان على أنّ أفعال العباد واقعة على سبيل الاضطرار . فنقول : قد بيّنا أنّه إذا حصل التصوّر ، فإن كان التصوّر نافعا ، مال الطبع إليه . شاء الإنسان أم أبى . إلّا أن يحصل هناك معارض . وهو أن يتصوّر تصوّرا آخر يوجب ضدّ مقتضى التصوّر الأول . إلّا أنّ على هذا التقدير لا يبقى التصوّر الأول تصوّرا لكون ذلك الشيء نافعا . وأمّا إن كان ذلك التصوّر ضارّا ، حصلت النفرة . شاء الإنسان ، أو أبى . إلّا إذا حصل التعارض المذكور . وحينئذ لا يبقى اعتقاد كونه ضارّا . وإن لم يحصل ، لا اعتقاد كونه نافعا ، ولا اعتقاد كونه ضارّا . فحينئذ لا يحصل الطلب ولا الهرب . ثم بيّنا : أنّه إذا حصل الطلب الجازم ، والميل التام ، ترتّب عليه إجماع جازم . على أن لا بدّ من إيجاده . وإذا حصلت النفرة التامة ، ترتّب عليه إجماع جازم . على أنّه لا بدّ من تركه . وإذا حصل هذا الإجماع التام الجازم ، حصل الفعل لا محالة . فثبت : أنّ ترتّب كل واحد من هذه المراتب على ما قبله : ترتّب ضروري . وليس لأحد أن يقول : الواقع بقدرة العبد هو تحصيل التصوّر ، الذي هو المبدأ الأول . لأنّا نقول : هذا باطل من وجهين : الأول : إنّا سنقيم الدلالة على أنّه لا يمكن أن يقع شيء من المعلوم والتصوّرات بقدرة العبد . الثاني : إنّ ذلك التصوّر الذي حصل بفعل العبد ، حصل في تكوينه تلك المراتب الأربعة المذكورة فانتهت إلى تصوّر آخر . فإن كان ذلك أيضا بفعله ، لزم إمّا التسلسل وإمّا الدور . وهما باطلان . ولمّا بطل ذلك ، ثبت انتهاء هذه التصوّرات إلى تصوّر أول ، هو المبدأ للأفعال الاختياريّة ، لذلك الحيوان . وثبت : أنّ حصول ذلك التصوّر ليس باختيار العبد ، بل هو حاصل في قلبه ، على سبيل الاضطرار . ثم إذا حصل ذلك التصوّر ، ترتّبت تلك المراتب بعضها على بعض ، بالغة ما بلغت ، ترتّبا واجبا لازما اضطراريّا . وعند هذا يظهر أنّ الإنسان مضطرّ في اختياره ، وأن جميع أفعال العباد : إمّا أفعال اللّه تعالى ، أو موجبات أفعال اللّه تعالى . وعلى التقديرين فالمطلوب حاصل . ( مطل 9 ، 41 ، 20 ) - لو لم يكن اللّه تعالى موجدا لأفعال العباد ، ولا موجدا لما يكون موجبا لها ، لامتنع كونه تعالى عالما بها قبل وقوعها . إلّا أنّ خصومنا يوافقونا على أنّه عالم بها قبل وقوعها . فيلزم القطع بأنّه تعالى موجدا لها ، أو موجدا لما يكون موجبا لها . وهو المطلوب . ( مطل 9 ، 57 ، 15 ) - إنّ ماهيّات أفعال العباد قابلة للمعدوم ، وقابلة للموجود ، قبولا على التساوي ، من غير رجحان أصلا البتّة . فلو فرضنا أنّه لا يرجّح أطراف وجود هذه الأفعال على طرف عدمها ، إلّا قدرة العبد . ثم إن قدرة العبد غير موجبة لذلك ، بل هي صالحة للفعل والترك ولم يكن أيضا هذا الرجحان . لا ابتداء ولا بواسطة . لأنّ التقدير أنّه لم يوجد في الأزل ما يوجب تلك الأفعال . لا ابتداء ولا بواسطة . وإلّا فالجبر لازم . وإذا كان الأمر كذلك ، كانت أفعال العباد في أنفسها